Showing posts with label عزة القصابي. Show all posts
Showing posts with label عزة القصابي. Show all posts

Tuesday, July 5, 2011

الإيدز .. يطرق أبواب المسرح المدرسي

في الآونة الأخيرة ازدادت جرأة الموضوعات التي تطرحها عروض المسرح المدرسي التي تشرف عليها وزارة التربية والتعليم. وذلك من خلال طرح قضايا ساخنة، تنبلج  من رحم المجتمع، كانت فيما مضى تُعدُّ من التابوهات المحظورة. وبذلك، يكون المسرح المدرسي هو النافذة الحية التي يطل الطالب من خلالها على قضايا مجتمعه، وبالتالي تجعله يفهم ما يدور من حوله بشيء من القلق الصحي المرتقب.

مما لاشك فيه، أن  المسرح المدرسي يقوم بصقل وتثقيف الطلاب في الفنون من خلال برامج الأنشطة المسرحية. كما  يُعدّ من الوسائل المحببة في المراحل الأولى من التعليم بخاصة، حيث يعمل  هذا المسرح على تعزيز الثقة لدى الطالب، وترقية المهارات وتنمية المفاهيم الأساسية، وناهيك عن القيم الأخلاقية والدينية والوطنية لديه. إلى جانب ذلك، يساعد  هذا المسرح الطلاب على تعلم المعارف والاتجاهات والمهارات التي تحسن الأداء وتقوّم السلوكيات السلبية لديهم، وتجعلهم قادرين على التعاون والعمل الجماعي المشترك. كما يقوم هذا المسرح  في إيجاد جيل جديد يؤمن برسالة المسرح الجاد أو ما يُسمى (ثقافة المسرح التراكمية)، والبعد عمّا استهلك من أعمال مسرحية لا تتماشى مع قيمنا الأخلاقية وعادات المجتمع الحميدة، الأمر الذي يتطلب ضرورة البحث عن مسرحيات هادفة اجتماعياً، تعمل على تفريغ طاقات الشباب، ومدّهم بالقيم الفكرية السليمة، وتهذيب سلوكياتهم، وتشغل أوقات فراغهم، مما قد يجنبهم السلوكيات غير المستحبة.

ويعرّف محمد خضر، المسرح المدرسي، بأنه: " لون من ألوان النشاط الذي يؤديه الطلاب في مدارسهم، تحت ملاحظة المشرف المسرحي، داخل الصف أو على خشبة المسرح بالمدرسة ".  كما يعرّفه إبراهيم حمادة : " هو فرقة أو مسرح من الهواة تشرف عليه المدرسة أو مؤسسة تربوية، استهدافاً كتسلية الطلاب وتثقيفهم، وتدريبهم على ممارسة فنون المسرح".
ومن هذه العروض التي تتميز بقدرتها على تجاوز الخطوط الحمراء  مسرحية (سديم وأمل)،  وهو من إبداع  طلبة مدرسة الخوض للتعليم العام، ومن تأليف أمل السابعي وإخراج إدريس النبهاني. وحاز هذا العمل على المركز الأول على مستوى محافظة مسقط في المسابقة السنوية التي تقيمها وزارة التربية والتعليم.   
و يناقش هذا العرض موضوعا غاية في الأهمية، يتمثل في الإجابة على سؤال: كيف يتعامل الناس مع مريض الإيدز؟ ..وهل يشكل المريض بنقص المناعة وباء يجب التخلص منه أم أننا يفترض أن نتعامل بطريقة مختلفة معه ؟ .. هذا ما حاولت مسرحية (الإيدز)  الإجابة عليه من  خلال  طرح قصة أخوين مصابين بمرض نقص المناعة، وتتوالى الأحداث لتكشف لنا الجوانب المظلمة من حياة هذين الشابين اللذين انجرفا في الحياة الليلية، وسعيا لارتياد المراقص وإقامة العلاقات غير شرعية مع بائعات الليل ... وبذلك يعيش هذين الأخوين مرحلة المعاناة والندم و الشعور بالقلق والكآبة والضياع بعد معرفتهما بأنهما مصابان بهذا الوباء القاتل.
كما يغلب على العرض النبرة التراجيدية الحادة، حيث يجتمع الألم مع اليأس من جدوى تلقي العلاج، وفقدان الأمل في التماثل  للشفاء ...كما تتعاظم لغة "التراجيديا" مع الرؤية البصرية للعرض، التي أكدتها جميع عناصره، مثل: الديكور، اللوحة الافتتاحية، وملابس الشخصيات التي يغلب اللون الأسود عليها، بغية  تجسيد مصير مرضى الإيدز  الذين تتكشف للمشاهد حالتهم لتبدو كئيبة وحزينة ..كما ساعدت الموسيقى على تكثيف الحالة النفسية لدى الشخوص، وجعلت المواقف أكثر واقعية. كما أنها أعطت المشاهد إحساساً يُشْعِره بسوداوية المواقف الدرامية...كما أكدت ألوان الملابس التي يرتديها الممثلون تلك النبرة، وبدا العرض الذي لم يتجاوز نصف الساعة، واقعاً مأساوياً استطاع أن يصدم المشاهد بحقيقة ما يدور حوله، وجعله يأخذ الحيطة والحذر !
حرص المخرج على كسر الإطار التقليدي للمسرح المدرسي المعتاد من خلال اللوحة الافتتاحية التي أعطت نبذة عن ماض أولئك الشباب، لتوضح للمتلقي كيف أصيبوا  بهذا المرض..حيث تمت الاستعانة بعدد من الطلبة (الكومبارس) للوقوف خلف الستارة الخلفية البيضاء التي وضعت في عمق المسرح، التي شجبت الرؤية  مما جعلها  أقرب إلى (خيال الظل). وكان ذلك بهدف تصوير الحياة الليلية في المراقص التي كان يرتادها  الشباب الثلاثة  لتمضية الوقت والتسلية، الأمر الذي جعلهم ينزلقون في أخطاء كبّدتهم  الكثير والكثير فيما بعد!
ومنذ الوهلة الأولى يظهر الشابان أحمد وسمير وهما يتحاوران حول الصراع مع مرض  نقص المناعة، وكيف أن الحياة أصبحت مظلمة بلا أمل!...وبالرغم من عدم إصابة (سمير) بالمرض، إلا أن الأخ المريض القابع في القفص الاختياري يوهمه بأن العدوى انتقلت إليه!!..ولما كان (سمير) يجهل طرق انتقال هذا المرض، فأنه يصدق أخاه ويعيش في وهم المرض قبل أن يصاب به ..وتكون المفاجأة عندما نعلم بأن  الأخ الثالث الذي ينتمي إلى لجنة  مكافحة (الايدز) هو المصاب الحقيقي بالمرض. بالإضافة إلى الأخ القابع في السجن الاختياري.
 والمتابع للعرض تصله الرسالة منذ اللحظات الأولى، لذا جاءت رسالته مباشرة ومثقلة بالنصائح التي يغلب عليها النبرة الخطابية، وهذا قلل من الاستمتاع بمشاهدة العرض المسرحي المقدم، فالمسرح هو قالب فني وليس منبرا لإلقاء الخطب..وكان يفترض أن يقلل من تلك النبرة، ويتم تقديمه بصورة مختلفة، ربما عن طريق تحويل الحوار إلى رؤية بصرية يستنتج  من خلالها المشاهد رسالة العرض؟..وهذا ما حدث في اللوحة الأولى عندما قدم مشهد النادي الليلي من خلال لوحة خيال الظل ..ولكن بعد ذلك قدم العرض بلغة بسيطة ومباشرة.
وهناك شكلان  للصراع الدرامي عايشهما شخوص العرض، فهناك صراع على  مستوى الشخصية، حيث تعيش الشخصيات صراعا مع ذواتها، حيث نلاحظ أحمد وسمير وقد حبسا أنفسهما في القفص الاختياري داخل غرفتهما التي تبدو حالكة السواد واجمة، توحي بالجو الهيستيري الذي يعيشه المرضى ...وانعدام الصلة مع الآخرين لأنهم  لم  يتقبلوا مرضه، لذا قرروا الانزواء والتقوقع حول  ذاتيهما ..وهناك الصراع الخارجي الذي يعيشه المصابون بمرض نقص المناعة  مع المجتمع، حيث  يدير الآخرون ظهورهم لهم ويتنكرون لهم. 
تألق  الطلاب الثلاثة المشاركين: ( محمد الأخزمي، اليقظان المحروقي، محمد الكيومي)  في عرض مسرحية ( سديم وأمل)  من خلال أدوارهم التي تحمل رسالة موجهه للمجتمع العماني والإنساني، التي تقر  بوجود المسرح الجاد على الرغم من محاصرتنا بدوامة من الأعمال التجارية عبر الفضائيات، وعبر ما يقدم في دور السينما والمسرح من الأعمال الفنية، التي تعلن أفلاسنا من الأعمال الجيدة.
ولقد جاءت مستويات الأداء التمثيلي متفاوتة، حيث اتضح أن البعض لديه جرأة  على مواجهة الجمهور، ولكنه  في نفس الوقت لا يزال يفتقر إلى أساسيات "فن التمثيل" ، ويعتمد على "الإلقاء المدرسي" المعتاد. في حين نجد هناك من يستطيع أداء الدور التمثيلي بصورة معقولة، ولكنه لا يزال يختبئ وراء ستار الخجل الاجتماعي ...وبالرغم من ذلك، فإن هؤلاء الطلبة يشكلون  جميعا خامات حقيقية، لمواهب فنية تستحق التوقف، والتساؤل كيف يمكن استغلال هذه الطاقات الفنية مستقبلا، لتكون رافدا آخر مهما  لتطوير الدراما العمانية.

Wednesday, June 22, 2011

المبدع ..ومقص الرقابة


     كثيرا ما يقرن الحديث عن الرقابة وقيودها المتعددة بالرقيب ومقصه القسري الذي يقتحم عالم أصحاب الرأي والقلم والعاملين في الحقول المعرفية والمبدعين في مجالات الفنون والأجناس الأدبية، بغية تأطيرها في قالب ثابت يتوافق مع أيديولوجية الأنظمة السائدة. وتتكون الأجهزة الرقابية على الأغلب من لجان تتبع عدة جهات حكومية، وهى تقوم بمراقبة المصنفات الأدبية والفنية. كما أنها قد تستند على مجموعة من القوانين الثابتة مثل قانون المطبوعات والنشر وسياسات الإعلام التي تعكس هى الأخرى سياسات كل دولة وتنطق بحال واقع الحرية المتاحة فيها. وفي عصرنا  الحالي، استحدثت الرقابة برامج جديدة  لتنظيم  وفلترة  المواد  غير المألوفة،  لتتناسب  هى الأخرى مع تقنيات النشر ووسائل العرض الحديثة، فلا  يتم ذكر المعنى التقليدي للرقابة، ولكن تستخدم مصطلحات أخرى أخف وطأة على الأذن!. إلا أن معظم الأنظمة الرقابية تتكئ على (التابوه ) الثلاثي (الدين والسياسة والجنس) ، والتي تتفاوت نسبتها من قطر إلى آخر، لتشكل في النهاية مجموعة من الخطوط  الحمراء التي لا يمكن تجاوزها!.

ولكن قد يتساءل البعض ما الأشكال الرقابية التي قد تواجه المشتغلين في الحقول الإبداعية في عصرنا الحالي؟ وما مدى  سطوة تلك الأشكال في إحكام القبضة على المنتج الفكري؟ وهل وسائل التكنولوجيا الحديثة ساعدت على الإفلات من قبضة أجهزة الرقابة؟ وأخيرا، هل الرقابة هى السبب الرئيسي في إخفاق المبدع العصرى لإنجاز أعمال إبداعية أم أن هناك مسببات أخرى، ساعدت على إجهاض ذلك الإبداع ؟! .

     مما لا جدال فيه، أن قضية الرقابة في وقتنا الحالي تبدو مشوشة إلى أبعد الحدود، حيث يدعي بعض المفكرين بأن الرقابة هي ذلك السقف العالي الذي أصبح يطاول السحب، ليحول دون وصول كمية الهواء اللازمة للتنفس الإبداعي لديه، وبالتالي فالعملية الإبداعية تجهض قبل أن ترى النور عبر القنوات المتاحة والمسموح بها. وهذا يؤكد الحقيقة التي تقول إن الرقابة والإبداع ندان لا يتفقان، فالمبدع دائما يلقي  باللائمة على أجهزة الرقابة، لأنها عمدت إلى  تكبيل أدواته وإمكانياته، إضافة إلى أنها عملت على تشويه مضمون العمل الإبداعي و تحويله إلى عمل فج، مما يقلل من  قيمته الفكرية والفنية. وهذا بدوره سيعكر صفو القارئ، إن لم يسيء إليه! .

  وفي نفس الوقت، يفترض من المبدع (الأديب، الفنان، الكاتب)  أن يجيد أساليب التحايل على الرقابة مهما كانت أشكالها والتحديات التي تفرضها عليه،  فإنه  يستطيع الإفلات منها عن طريق استخدام الاستعارات اللفظية والصور البلاغية الأخرى، كما هو الحال في الاجناس الأدبية التي يختلط فيها الواقع بالخيال. بالرغم من تفاوت معدلات الحرية في الوطن العربي عبر التاريخ، إلا أنه شهد رموزا أستطاعوا أن يتحفوا العالم بإبداعاتهم، ولم تكن قضية الحرية ذات بال، فروح المبدع استطاعت أن تتجاوزها وتنجز الكثير والكثير.  

      هذا فيما يتعلق بالنشر الورقي المكتوب، ولكن ماذا عن النشر الالكتروني الحديث الذي كثيرا ما يعتبره أصحاب الرأي، بأنه النافذة التي يمكن أن يطل من خلالها المبدع دون أن تطاله أذرع الرقابة التقليدية، خاصة  في ضوء التزايد المطرد للمواقع الشخصية للكتاب والهواة وظهور المدونات التي تعتبر من أحدث أشكال النشر الالكتروني الحر. فضلا عن ذلك، تقوم الشركات العالمية التي تدير المواقع الالكترونية بشكل مستمر باستقطاب أكبر عدد من المستخدمين لبرامجها دون الاهتمام بطبيعة المحتوى المدخل. ولقد ساعد ذلك الانفلات الالكتروني على افتراض أن زمن الرموز والغموض قد ولى بلا رجعة، حيث يتسم هذا العصر بالانفتاح (المعلوماتي) الذي لا يقاوم!. والذي  أصبح  لا يقبل التأويل والرؤى الضبابية في تفسير الأشياء، فهناك العديد من المواضيع التي يتم كشف النقاب عنها، سواء أكان عن  طريق البرامج التي تتطلب إبداء الرأي أو المشاركة عن طريق الدخول إلى  المنتديات المفتوحة، بعيدا عن سقف الحرية المحدود .

     إلا أنه مع هذا الانفتاح الالكتروني، بدأت تظهر أشكال رقابية أخرى جديدة من خلال الوسيلة الالكترونية نفسها!. بهدف إحكام القبضة أيضا على ما يبث أو ينشر عبر نوافذها المفتوحة، وتتخذ تلك الأشكال مسميات أخرى مثل جهاز التنقية والفلترة. ونتيجة لذلك أصبحت هذه الشبكات الالكترونية تتحكم في خدمات المشتركين، تحت بند سياسات الشبكة وحمايتها من المتطفلين الجدد. ولعل المثال الأبرز على الرقابة الالكترونية، هو قيام  شركة (جوجل) في الصين بإطلاق جهاز بحث إلكتروني ذاتي الرقابة، يقصد به محاصرة شركات الإنترنت العالمية، نتيجة الضغط الذي تمارسه الحكومة الصينية عليها. وتعمل هذه الخدمة على وضع ضوابط  تحد من حرية التعبير وحرية المعلومات لمشتركي الإنترنت الصينيين و تقليص الانفتاح الإعلامي الذي تعاني منه الدول الأخرى.

    وهكذا بدلا من أن تستمر تلك المواقع في احتضان النتاجات الفكرية والأدبية، أيا كانت توجهاتها وتياراتها، فإنها سرعان ما أصبحت تخضع لمقص الرقيب الالكتروني الذي صنع خصيصا لمواكبة من تسول له نفسه الخروج عن المتعارف عليه!! ...في حين أن ذلك التوجه نحو تقليص مساحات الحرية المتاحة، لقي  ترحيبا  من قبل  فئات المجتمع المحافظة، التي ترى بأنها ليست ملزمة على تقبل رأي الآخر، والذي قد لا يتناسب مع ثقافة الناس أو التوجهات الدينية  لديها، لذا فإن مقص الرقيب الالكتروني هو الحل الأمثل! عليه كان لابد أن نبحث هذه المرة ليس عن طرق أخرى للتصالح مع رموز الرقابة التقليدية ولكن مع الأنظمة الالكترونية العالمية!.  




    ومن ناحية أخرى، لابد من الاشارة أيضا إلى الرقابة على الفنون والمواد (الفيلمية) التي  تعتبر من أعقد أنواع الرقابة. فمثلا في الأفلام السينمائية عادة ما تخضع لمقص الرقيب الذي أصبح لا مفر منه. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، عندما عرض فيلم (الإغراء الأخير للمسيح) للمخرج الأمريكي الشهير (مارتن سكورسيزي)، تشكلت ضده جبهة من الرأي العام مكونة من جماعات الضغط الديني من جانب الكنيسة الكاثوليكية. وتطور ذلك النزاع إلى الهجوم على دور العرض وإحراقها والاعتداء على الممثلين. وهذا  يجعلنا ندرك بأن هناك رقابة أخرى، يمكن أن تولد من رحم المجتمع والتيارات الدينية، يمكن أن تشكل ثورة عارمة يصعب السيطرة عليها حتى في أكثر الدول تحضرا ودمقطرة!!.
   
     وتبقى جدلية الرقابة وعلاقتها بالمبدع قائمة وتأخذ منحنيات متفرقة، منها ما يتعلق بالأنظمة التي تتبناها هذه الأجهزة والتي تحتاج إلى إعادة نظر للتكيف مع المتغيرات السياسية والاجتماعية المستجدة، وذلك بالعمل المستمر لردم الهوة بين المبدع والرقيب. مما سيكون له الأثر الايجابي في كسر الحاجز الوهمي المفزع تجاه أجهزة الرقابة وسلطاتها. وسيوجد نوعا من المصالحة بين الرقيب والمنجز الفكري!. ومنها ما يتعلق بالمبدع نفسه الذي يفترض ألا يفكر في الرقابة بشكل مبالغ فيه مما سيعطل قدراته، وعليه السعي حثيثا نحو تقديم عمله دون أن يضع مقص الرقيب في ذهنه، وأن يتحكم في حريته الابداعية، فليس كل ما يدور في ذهنه يصلح للكتابة والبوح المباشر. كما أن عليه أن يكبح فكره وانفعاله في كتاباته، نظرا لتأثيرها السريع على آراء وتوجهات القراء والمشاهدين. وفي الوقت ذاته، يحاول استغلال مساحة الحرية المتاحة له لإنتاج أعمال إبداعية تستحق أن تخلد. فعالمنا اليوم، أصبح يعاني أفلاسا حقيقيا من المنجز الفكري الأصيل وذلك لخلوه من العمالقة والرواد وما نراه ونسمعه أصبح مجرد ظلال لهم ! وبدأت صيغ الإبداع الفكري تتلاشى أن لم تكن قد انعدمت!.



مسرحية النمرود.. بين التاريخ والسياسة

التاريخ والأسطورة؛ هما أحد المصادر التي تلهم المبدع المسرحي لنظم روائعه الفنية لتظل خالدة بخلود تلك المآثر، وبالمثل فإن اقتباس التاريخ، يعد أيضا مغامرة فليس كل ما كتبه المؤرخون على صفحاته، يصلح لأن يقدم على الركح، ونستطيع أن نطلق عليه  " دراما تاريخية" !.. إضافة إلى ذلك، وأنه عند معالجة موضوع تاريخي، لابد من استرجاع أجندة واقعنا المعاصر، مما يساعد المشتغلين في المجالات الأدبية والفنية على غربلة التاريخ بما يتوافق مع الواقع الآني، بالطبع مع الاحتفاظ بالحقائق الثابتة، لكونها لا تحتمل التغيير أو التحريف مهما حصل!.. ويعتبر عرض مسرحية " النمرود" من العروض الحديثة التي جعلت التاريخ والأسطورة تصافحان شخصيات من واقعنا، وهذا العرض من تأليف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وهو من إخراج المنصف السويسي. وعرضت مسرحية " النمرود" في أكثر من عاصمة عربية، وقد شاهدنا هذا العرض على "مسرح دار الأوبرا" ضمن فعاليات مهرجان دمشق المسرحي في دورته الرابعة عشرة.
ويحكي العرض قصة "النمرود" الأسطورية المتغطرسة الذي أرد أن  يحكم شعبه بيد من  حديد، وتشير المصادر التاريخية إلى وجود هذه الشخصية  في  أرض بابل، أما نسبه -  كما ذكر  في الإنجيل القديم ووثق في موسوعة "جينيس"  في الفصل العاشر -  فيعود إلى نوح عليه السلام الذي كان له ولدان هما سام وحام، فمن أولاد حام كنعان وهو والد النمرود، وقيل: "كوش لكن كوش هو اخو النمرود وهم الحاميون".
 بالرغم من البعد الزمني التاريخي لموضوع المسرحية وأبطالها، والذي بدا موغلا في القرون الغابرة، إلا أن المسرحية ركزت على الشخصية كعامل أساسي مهم  لتحريك الحدث،كما أنها تشبعت بالعديد من الاسقاطات السياسية المعاصرة.  فظهر البطل ( النمرود) كشخصية رمزية، لها تأوليها من خلال استدعاء شخصيات اتسمت بالجبروت، وقدست نفسها على حساب الآخر، لذا كان نهايتها الهلاك!
أما عن الأحداث التي تم سردها عبر هذه المسرحية، فهي  تصف لنا النمرود، والذي استطاع القضاء على " الضاحك" بمساندة الشعب، ولكنه ما لبث أن تمرد وأدعى الربوبية وطلب من الشعب عبادته، وتحدى "رب العالمين" لذا أصبح عقابه واجبا، وتم ارسال البعوض إليه بعد شروق الشمس. وبالرغم من  صغر حجم هذه الحشرة، إلا أنها استطاعت أن تقضي عليه، ليكون عبرة لمن يغتر بجاهه ونفوذه وماله، وينسى بأن العدالة السماوية قادرة على إحقاق الحق وازهاق الباطل، مهما كان جبروت الإنسان وظلمه.
على مستوى الأداء التمثيلي، فقد التزمت الشخصيات بالنص، فبرغم مدرسية الإخراج التي اتبعها المخرج في تجسيد شخوصه، إلا العرض استقطب عددا من النجوم، مما جعل أداء الممثل أقوى عناصره الحية، وخاصة وأنه حظي بمشاركة عدد من الممثلين المحترفين فيه، بلغ عددهم أكثر من ثلاثين ممثلا. مما فرض على المخرج مجهودا إضافيا، وخصوصا  عند رسم حركة الممثلين وتحريك المجاميع على الركح، بما يخدم فكرة العمل العامة.
 قام المخرج بتقديم فني يصور المعارك الحربية على الخشبة، فظهرت السينوغرافيا المشهدية العامة للعرض المسرحي، وكأننا أمام" فيلم سينمائي" تاريخي يخرج على خشبة المسرح. إلا أنه في نفس الوقت، لابد من الإشارة  إلى أن التزام المخرج بحرفية النص، وهذا جعل الرؤية الإخراجية فيه  غير واضحة في هذا العمل .
 فضلا عن ذلك، فإن استخدام  الأقنعة قلل من اللعب على أوتار جسد الممثل، فجاء الأداء أقرب إلى النهج التمثيلي في المسرح اليوناني القديم. كما أن اللوحة التعبيرية الأولى التي  استهل  المخرج( السويسي) العرض بها، حملت العديد من الدلالات، برغم من ذلك  لم تقنع المشاهد بشرعية وجودها، وخاصة بعد متابعتنا لبقية أحداث المسرحية، بالإضافة إلى أن فكرة  " كسر العلبة الإيطالية" من خلال السماح للممثلين بالتسلل بين صفوف المتفرجين، كانت من النوافل التي يمكن التخلص منها، دون أن تؤثر على مجريات الحدث العام.

وتوافقا مع دلالات الشخصيات من حيث البعد التاريخي والزمني الأسطوري لقصة العمل المسرحي، فقد ارتدت  الشخصيات الملابس التاريخية، بالإضافة إلى الأقنعة التي لازمتها طوال فترة العرض، وحملت الدروع والأسلحة والتروس.  كما أن توظيف الإضاءة تمركز حول لحظات الذروة فقط، وما عدا ذلك فقد استخدمت الإضاءة المسطحة ذات المستوى الواحد.

أما بالنسبة للموسيقى، فقد ألزمت عناصر العرض الإيحائية المستلهمة من التاريخ والأسطورة على استخدام المقطوعات الموسيقية ذات التأثير الدرامي على الأحداث، وصولا إلى لحظات الذروة والالتفاف حولها، بما يتوافق مع المضمون الغني بالمفاجآت...كما تناغم ذلك مع الألحان المنبعثة على الجانب الأيسر من صالة المتفرجين.

يذكر هذا عرض مسرحية " النمرود"  بلغت تكلفته الإنتاجية أكثر من مليون درهم، وهذا يؤكد دعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، للأعمال المسرحية خصوصا  تلك التي يخرجها مسرح الشارقة الوطني. ويغلب على نصوصه الدرامية الاتجاه السياسي، ومن أعماله ( القضية – عودة هولاكو – الواقع...صورة طبق الأصل – الأسكندر الأكبر والنمرود ) .

السمرمر.. يحلق بنا إلى العصر العثماني

    من قصر (أسعد باشا) القابع في سوق الحميدية بدمشق حيث الأحياء القديمة، انطلقت أحداث مسرحية ( السمرمر) ذات الطابع الاحتفالي، والتي تعود أحداثها التاريخية إلى عام (1701-1757).  وهذا العرض من تأليف  ناصر الشبلي وإخراج الدكتور تامر العربيد،  والذي قدم  في مسرح الحمراء ضمن فقرات مهرجان دمشق المسرحي الرابع عشر.

جسد العمل مقاطع من الأحداث المهمة في تاريخ بلاد الشام، مع إضافة لمسة إبداعية مستوحاة من التراث الشعبي، بغية صنع  دراما أثيرية تداعب ذهن وحس المشاهد في آن واحد، والذي استمتع بالرؤية البصرية للعرض التي رسمها المخرج  له بتقنية عالية، مما جعل جميع مفرداته تعزف على تقنيات الخشبة الفنية من خلال  استغلال "الفضاء الدرامي" ،  حيث الغناء والأداء الاستعراضي وأشكال الفرجة المسرحية .

ومن دهاليز وحمامات قصر الوالي التركي انطلقت الأحداث لترسم لنا شخصية (أسعد باشا) الوالي العثماني الذي حكم الشعب بيد من حديد، حيث تم تجسيد تلك الشخصية  بطريقة تثبت بأنه مجرد أداة يستغلها الحاكم العثماني لإدارة مصالحه الخاصة!!... وليصبح  بعد ذلك بوقا يردد نفس عباراته!

يبرز التداخل الفريد في معالجة الأحداث التي تعتمد على  "المثيولوجيا"  المستلهمة من التراث الشعبي، وخاصة عندما تستعرض المسرحية أحداث تعرض البلاد لموسم الجراد،  والذي أصبح ينتشر في المدينة ويأكل الأخضر واليابس، لذا كان لابد من البحث عن منقذ! ...ومن هنا انطلق بطلا العرض  ليخوضا رحلة مضنية، بغية البحث عن الطائر الأسطوري (السمرمر) المعجزة، والذي يستطيع أن يقضي على الجراد الذي بات يقض مضجع أهل البلاد!!...وتبدأ تلك الرحلة عندما يسند (أسعد باشا) لبطلي العرض مهمة استكشاف مكان ذلك الطائر المغمور!! الذي يجهل أمره الكثير من الناس!! والذي  يقال إنه يعيش بالقرب من أصفهان..... وهكذا يخرج الشابان في رحلة البحث، وتنقطع أخبارهم خلال  أربعة عشر عاما،  وبعد  عودتهما يجدان الوالي العثماني مستمرا في ظلمه ونهبه لخيرات البلاد والعباد .
لنكتشف في النهاية، بأن الطائر مجرد خرافه، وأنه ما قاله الوالي وأتباعه كان مجرد مؤامرة  محبوكة!.. بغية  إلهاء الناس، وجعلهم يصدقون بأن وباء الجراد قادم لا محالة!

بالرغم من ازدحام خشبة المسرح بالعدد الهائل من الممثلين، والذين يصل عددهم نحو خمسين ممثلا وممثلة، إلا أن المخرج استطاع أن يرسم الجو العام للعرض، مسجلا فرجة مسرحية تستغل فراغات الركح المهمة، حيث استخدمت الإضاءة بدرجاتها اللونية في تعقب حركة الحدث والأداء الاستعراضي للممثلين، والذين اتسموا بخفة الحركة ورشاقة الأداء، حتى خيل للمتلقي بأنه يشاهد أحد العروض الاستعراضية التي تعتمد على التعبير الحركي الغنائي.

ورغم تنويع الحركة على الركح، فإن إدارة الخشبة وضعت بطريقة مدروسة، فالراوي يقص حكاية الوالي العثماني بطريقة مسلية وبسيطة، خاصة عندما حول الحوار بين الراوي ومساعده إلى صراع درامي في الركن الأيمن من خشبة المسرح المقابل للنظارة، وهذا  جعل الأحداث تتحول إلى  فرجة مسرحية تبتعد عن النمط التقليدي المعروف عن شخصية الراوي.  كل هذا جعلنا نستمتع بمشاهدة هذا العرض لمدة ساعتين متواصلتين!..وبرغم التغيير المشهدي في حيثيات الديكور والإكسسوارات  والملابس، إلا المخرج لم يعط المشاهد فرصة، ليغفل عن مجريات الحدث الدرامي  ولو للحظة..وكان ذلك من خلال  التغيير السريع لتفاصيل المشاهد، مع استخدام الإضاءة والإظلام الخاطف، بالإضافة إلى استمرارية عزف الموسيقي الحية على الركح اثناء العرض.

هناك اشتغال واضح  على بناء الشخصيات  من خلال  العزف على أوتار الأدوار التي تقوم بها مما حولها إلى رموز ملحمية مشوقة ومثيرة للفضول ، وبرغم أنها نماذج تاريخية جاهزة، إلا أن مخيلة معد النص استطاعت أن ترسم ظلالا كوميدية لها، خلافا لما هو موجود في كتاب (حوادث دمشق اليومية) للكاتب أحمد الحلاق..وهذا جعل الجمهور يتفاعل مع تلك الشخصيات برغم أدوارها الشريرة!!..وعلى أي حال، فإن جميع عناصر العرض المسرحي ساعدت  على رسم فصول من عمر مسرحية طائر  ( السمرمر) الحائرة  بين واقعية الحدث وخيال الكاتب الذي حلق بنا بعيدا في الأفق، بغية البحث عن  الطائر الأسطورة الذي طال انتظاره!


     يذكر أن مسرحية (السمرمر) من بطولة الفنان زيناتي قدسية الذي جسد شخصية (أسعد باشا)، والفنان حسن دكاك الذي قام بدور (الراوي) بعد أن  أضفى  المخرج على هذه الشخصية لمسة فنية جعلها أكثر تشويقا ومتعة. 
 كما استطاع  الفنان كميل ابو مصعب أن يجسد شخصيتي السلطانين (محمود و عثمان) ، حيث  اتسم بقدرته على التفاوض مع أبعاد الشخصيتين من خلال التمتع بمقدرة عالية  في الانسلاخ والتحرر منهما،   برغم أنه كان يمثل الدور ولا يتقمصه..  بالإضافة إلى مجموعة من الممثلين الذين أضاءوا ليلة العرض لتتوهج بقدرات تمثيلية جماعية تتنافس في تخليد هذه الملحمة التاريخية السورية  الشعبية .
  كما تجدر  الإشارة إلى أن مسرحية (السمرمر)  قدمت خلال في الموسم المسرحي عام 1996م ، حيث عرضت أكثر من مرة، وحظيت بإعجاب جماهيري منقطع النظير، مما جعلها تحقق أعلى مبيعات تذاكر في ذلك الموسم!... وهذا يجعلنا نعول على المسرح ودوره الرائد  في إنعاش ذاكرة المشاهد، والتطفل إلى عالمه، برغم الانفتاح الفضائي الذي يحاصره.

عرض مسرحية حراس المدينة

في رائعة (حراس المدينة) للكاتب المسرحي المغربي " المسكين الصغير" ، نجد  هناك  تنديدا واضحا بكل أشكال السلطة القمعية التي تمارس القوة والضغط غير المباشر على رعاياها وانتهاك حقوقهم المدنية، قدم هذا العرض المخرج التونسي "منجي بن إبراهيم" بأسلوب تعبيري  مسرحي، يعج بالظلم والمعاناة الإنسانية، ويبتعد عن الخطاب السياسي المباشر، وذلك ضمن العروض المسرحية التي قدمت في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي خلال دورته العشرين هذا العام.

 ويقوم عرض مسرحية ( حراس المدينة)  باستقراء ماضي وحاضر الأمة العربية والإسلامية  منذ العصر الجاهلي حتى العصر الحديث، ويركز على المعاناة الإنسانية كموضوع رئيسي يطرح نفسه بقوة من خلال مجموعة من  التساؤلات حول الواقع السياسي المعاصر، مثل: من هم حراس المدينة؟ وما هذه المدينة التي تحيط بها مجموعة التابوهات الممنوعة؟ وما رموز السلطة فيها؟ وهل السلطة في تلك المدينة شيء مادي ملموس أم أنها مجرد (فزاعة) جوفاء يعلق الآخرون أخطاءهم عليها ؟ ... وهذا ما دفع المشاهد إلى التساؤل هل هناك  بالفعل سلطة أم أنها مجموعة من الأنظمة المتوارثة تحمل التاريخ قسوة ما يحصل في عالمنا العربي والإسلامي.  كما أن مفهوم الديمقراطية حقيقة أم أنه مجرد شعارات جوفاء لا أكثر؟ ...هكذا تباينت ردود الأفعال حول أين يكمن السر وراء ضعف الأنظمة العربية؟

ولقد حمّلت تلك التساؤلات العرض الكثير من الاسقاطات السياسية غير المباشرة، وجعلته يقترب من  المحظورات بشفافية فنية من خلال عناصر العرض الرئيسية، مثل: "الشباك" التي  كانت تحيط بالمدينة، والتي رسمها  المخرج  لتشكل لغزا محيرا، بالإضافة إلى ( الفزاعة) التي تعتبر  رمزا للخوف والفزع والسلطة  لدى  الناس.

فضلا عن ذلك، فقد حرص عرض مسرحية (حراس المدينة) على سبر الفترات الزمنية المتباينة عبر التاريخ، من خلال  قيام الممثل الواحد بتقمص أكثر من شخصية، مع تحميل النص الكثير من الإحالات حول  التحديات الاقتصادية والمصالح والتكتلات الكبرى التي تحكم العالم، وذلك  في ضوء تقسيمه إلى شعوب متقدمة وشعوب نامية، لذا أصبح التحدي الذي يواجه المواطن العربي، أعظم بكثير مما نتخيله!... وفي الوقت ذاته، أن كثرة الإحالات التي  انبثقت من ثنايا النص الدرامي، جعلته  عرضة للإطالة والتنقل من مرحلة زمنية إلى أخرى، ومن قضية إلى أخرى، وهذا بدوره أثر في زيادة مدة العرض إلى أكثر من ساعة!

الشخصيات في العرض ما هي إلا تجسيد واضح لفكرته الرئيسية، وهناك ميل واضح في توجه الكاتب  نحو غلبة الحدث الدرامي على الشخصية، لكون الشخصيات ما هي إلا رموزا تعبيرية قادها المخرج لتأكيد الفكرة الأساسية فيه..فمنذ البداية نجد (جمجمة) تمثل رمزا للسلطة العمياء  ضد (قرمط) الرافض للقمع والذي ينادي بالتحرر على مدار التاريخ. كما  نجد  شخصية(قرمط) في عدة صور مثل  في شخصية " الجارية شهر زاد" و" تأبط شرا" و" المهرج"  ... بالإضافة إلى الشخصيات الثانوية مثل شخصية  القاضي.. وذلك في محاولة  لاستخراج رموز وأعلام  من التراث والتاريخ التي تجسد حقبا مظلمة في التاريخ العربي، وتفتقد إلى العدالة وتجنح إلى الظلم.

 أما بالنسبة لعناصر  " السينوغرافيا" فقد حرص المخرج على نسج مكوناتها بنفسه، بغية رسم رؤية إخراجية متكاملة للعرض المسرحي المقدم،  كما  سعى للنبش  في أغوار النص المسرحي، والذي يحمل أبعادا مختلفة ذا دلالات على مستوى الحدث والشخصيات. وبالرغم من اتساع خشبة مسرح السلام الذي  قدم العرض عليه بالقاهرة، إلا أن المخرج صمم الديكور بطريقة تنم عن حصار الحراس للمدينة، حيث غرست مجموعة من الشباك في  قعر المسرح، بينما وضعت في الجانب الأيمن (الفزاعة)، والتي كان الناس يقدسونها بالرغم من أنهم يعلمون أنها  مجرد فزاعة لا أكثر!...كما ظهر الشطرنج في بداية المسرحية كإشارة أولى لتدشين لعبة العرض بين السلطة والناس من خلال اختيار نماذج تاريخية منتقاة عبر حقب زمنية متفاوتة.

بالنسبة للإضاءة جاءت موازية في تدفقها  لمجريات الحدث الدرامي، حيث نفذت بطريقة تكشف عن لحظات القوة والضعف لدى الشخصيات، كما تتلاءم مع ذاتية الشخصيات وتكشف عن تركيبتها  الإنسانية عن طريق التمسرح والانتقال من دور إلى آخر.. كما توافق ذلك مع  الموسيقى التأثيرية العامة للعرض المسرحي، والتي استبعدت الموسيقى  التسجيلية، وقامت بتوظيف (المكساج) لعدة أجزاء من مقطوعات مختلفة.

وفيما يتعلق بالأداء التمثيلي للشخصيات فقد اتسم الممثلان الطيب الواسيني في دور (جمجمة) وياسين في دور ( قرمط)، برشاقة الأداء وخفة الحركة على الركح، حيث نجد هناك اتساقا فيزيائيا للأبعاد الجسمية للشخصيتين. وقام الفنان الطيب بتقمص أكثر من شخصية، حيث قام بدور " شهريار" و "شاهبندر التجار" ..وبذلك استطاع أن  يجمع بين شخصيات متعددة عبر حقب تاريخية متباينة ظهرت في عدة أدوار. كما  أن تفاعل الممثل مع تلك الشخصيات يدل على اطلاعه الواسع على الحقب التاريخية التي عاشت فيها. ومن ناحية أخرى، أن ذلك  الأداء المتميز للفنان  الواسيني يوازي ما قام به الفنان (ياسين العبدلي) والذي تقمص عدة شخصيات، حيث قام بدور الشخصية الرافضة للقمع والمنادية بالتحرر على مدار التاريخ  مثل شخصية "الجارية شهر زاد" و" تأبط شرا" و" المهرج"   و " قرمط "... بالإضافة إلى قيامه  بعدد من الأدوار  الثانوية مثل "القاضي"  وذلك من خلال الارتداد العكسي "الفلاش باك" ومحاولة استنطاق التراث ومساءلته.

هكذا يظل  العرض المسرحي (حراس المدينة)  للفرقة القومية التونسية، يعزف على وتر  المعاناة الإنسانية والعربية، ويقرأ التاريخ عن بعد، بغية تفسير الحاضر وفك العديد من الترسبات السياسية والاقتصادية التي أصبحت تحكم العالم، نتيجة تفشي مجموعة من القيم التي تفتقد إلى الموضوعية وتديرها مجموعة من المصالح الذاتية.

عرض مسرحية بابيمبا... يعزف على إيقاع الألحان الأفريقية

       تحت إيقاع الطبول الإفريقية قدمت مجموعة (فاسو)  للرقص والتمثيل في مهرجان أيام قرطاج المسرحية في دورتها الرابعة عشر، عرض مسرحية بابيمبا  Babemba ،  والذي يحتفي بأبطال القارة الأفريقية، ويتضمن مجموعة راقصة مكونة من أربعة مؤدين، يتبادلون لغة الإيماءات والتعبير الحركي بصورة إيقاعية معبرة. كما حفل  العرض بالتشكيلات الأفريقية الحركية، التي هي من تصميم الكوريغرافي (سارج إيمي كوليبالي) .

اعتمد عرض (بابيمبا)  بشكل كبير على المغنية الاستعراضية (ديجينيا كوني)  التي تتغنى بأمجاد جنوب أفريقيا، من خلال الاستدلال على أهم الشخصيات التي أحدثت تحولات مهمة في تاريخها، وقادت أهم الحملات الإنسانية التي تدعو لمحاربة التفرقة العنصرية، وذلك من خلال الأداء الكويغرافي الذي هو من تصميم (بابا محمود كوياتي)، والذي حاول أن يجسد  لنا شخصية (باتريس لومومبا) من الكنغو و (توماس سانكارا) من بلاد الرجال الاندماجيين، و (كاومي نكورما)  الذي يحلم  بالوحدة  الأفريقية  و( نيلسون منديلا)  الذي يعد رمزا للسلام في جنوب أفريقيا.

 جميع هؤلاء شكلوا علامات بارزة في تاريخ جنوب أفريقيا، لذا استحقوا أن يكونوا أبطال عرض(بابيمبا)، والذين قاموا  بالرقص والأداء  الحركي القائم  على خفة الحركة، أكثر من الأداء التمثيلي. لذا جاء العرض أقرب إلى الاوبريت الذي تقوده المغنية(ديجينيا كوني)  ذات الحنجرة الاوبرالية الأفريقية، التي تتغني ببطولات الشخصيات الثلاث، و توصف نشأتهم المتواضعة، حيث الشارع والأحياء الفقيرة والحياة البسيطة، ولكنهم بالرغم من ذلك استطاعوا أن يكونوا علامات بارزة في تاريخ أفريقيا  السمراء.

ويشير (طراورية) أحد علماء الحضارات ومؤلف كتاب (تاريخ الحضارة الأفريقية) إلى أن  موضوعات "الدراما الأفريقية" تستمد أحداثها من الأساطير والحكايات والخرافات والعادات في مشاهد بسيطة يختلط الغناء بالرقص فيها.  أما عرض (بابيمبا)  فقد تأثر بالأحداث المهمة من خلال الاستدلال على الشخصيات التي تدخل في صراع مع ذاتها من أجل تحقيق القيم النبيلة، وذلك  بالتعبير الاستعراضي. وهذا يتوافق مع ما عرف عن " المسرح الأفريقي"،  والذي يبحث دائما عن القيم النبيلة بين المتاح والواجب وبين الواقع والمثال،  وهو أيضا  أداة للمحافظة على تقاليد الجماعة وقيمها.
ويبدو أن العرض جاء ليترجم شعار أيام قرطاج المسرحية الذي كان تحت عنوان" مسرح بلا حدود" ، بغية تقديم  نوع جديد من المسارح، اختفى النص منها، وأصبحت تعتمد بالدرجة الأولى على جسد الممثل، الذي استغل طاقات الشباب الأدائية في عرض دام قرابة الساعة!

ومن جانب آخر، زرعت الشخصيات في نسيج  العمل المسرحي، بطريقة تعتمد على الأداء الحركي، مما يجعل رسالته، غير واضحة، خاصة في بدايته. وذلك  نتيجة الإغراق في الأداء الراقص بشكل مكثف. وفي الوقت ذاته، افتقد العرض الأداء التمثيلي، ولا نعلم ما إذا كان ذلك راجعا لكون هذه الفرقة ليست مختصة بتقديم العروض المسرحية، أم أنها تعتبر تجربة أراد المشرفون عليها، أن يحتفوا بالأداء الراقص على الإيقاع الأفريقي، بينما  همشوا  الأداء الدرامي. لذا كان الأجدى أن يصنف هذا النوع  ضمن العروض الاستعراضية، التي يتداخل فيها الرقص التعبيري مع الأداء التمثيلي.

أستخدم العرض "اللغة الأفريقية" الدارجة في جنوب أفريقيا، بأسلوب غنائي شعبي...كما  أكمل عازف (الجيتار)  على الجانب الآخر من خشبة المسرح الغناء باللغة الفرنسية، فشكلا (ديتو)  ساعدا على رفع إيقاع العمل الفني، وقيادة المجموعة الراقصة التي بدت منسجمة على الرقص الأفريقي. وهذا يتوافق مع ملامح  هذا المسرح في عصرنا الراهن، الذي أصبح ينضوي تحت الفنون (الفرانكوفونية) التي تهتم بالموسيقى والرقص والحكايات الشعبية.
بالنسبة للمؤثرات الموسيقية كانت العنصر الثالث بعد جسد المؤدي والغناء، حيث تم توظيف أنغام (الجيتار) بغية المحافظة على توازن الخشبة المسرحية، مع تشذيب العرض بالآلات الموسيقية الأفريقية التقليدية، التي بدت تعزف على لحن ووتر وإيقاع أربع شخصيات التي كانت بمثابة الأسطورة في التاريخ الأفريقي. أما (السينوغرافيا)  فقد استطاعت أن ترسم لنا رؤية بصرية، استمدت مفرداتها من البيئة الإفريقية، بدءا من الرقص الأفريقي الذي قدمه المشاركون في العرض، وانتهاء بحيثيات الديكور التي  صورت  تفاصيل البيئة الأفريقية البسيطة، التي نشأت الشخصيات الأربع فيها .
كما ساهمت الأزياء التي استخدمها العارضون في توصيف الحالة الاقتصادية والاجتماعية للشخصيات في بداية حياتها، وانتهاء بالانجازات التي حققتها. وهذا يتماشى مع ما عرف عن العروض الأفريقية التي لا تهتم بالشكل الخارجي في الأزياء، وإنما تسعى إلى إيصال رسالة أو الموضوع المراد الحديث عنه،  بينما ظلت الإضاءة ثابتة ولم نشهد أية تحول يذكر، فيما ظل العرض يعزف على  الطبول الأفريقية حتى آخر لحظة.

Tuesday, June 21, 2011

بلا عنوان... عرض يختزل تاريخ القدس

       في أمسية من ليالي أيام قرطاج المسرحية في الدورة  الرابعة عشرة، أصر العرض الأردني(بلا عنوان) لفرقة المسرح الحديث، وهو من  تأليف مفلح عدوان ومن إخراج مجد القصص، على أن  يختزل تاريخ  "القضية الفلسطينية"  قرابة الساعة! ..
واعتمد العرض على الأداء الاستعراضي الراقص أو " الأداء الكويغرافي"  الذي يوظف  الجسد كوسيلة أساسية للتعبير عن الموضوع في تسع لوحات تعبيرية، جاءت أقرب إلى ما يعرف بالمسرح الجسدي الذي يمزج بين ما بعد الحداثة في الرقص و ما بعد الحداثة في المسرح. كما يعد  العرض ميدانا خصبا يتضمن العديد من الدلالات السيموطقية، التي تلمح بالقضية، ولكنها تبتعد عن المباشرة والخطابية . وهذا عكس ما نجده في (المسرح العربي) الذي بات مغرما بالكلمة والسرديات والحوارات الطويلة. لذا جاء هذا العرض  أقرب إلى "العروض التجريبية" المدروسة بدقة، من حيث التعبير الجسدي للممثل وتوظيف الضوء والظلال والموسيقى في رصد الفعل المسرحي.

ومما لاشك فيه، أن "الأداء الاستعراضي التعبيري" استطاع أن يرسم ملامح  القضية الفلسطينية وأبعادها السياسية والإنسانية المختلفة، مرورا بحقب تاريخية مفصلية ومؤثرة  في التاريخ الفلسطيني منذ عهد  الكنعانيين واليبوسيين والعهدة العمرية وصلاح الدين الايوبي وانتهاء بالعصر الحالي، حيث الأوضاع التي تعيشها القدس منذ ستين عاما وأكثر، التي تمثل عقودا من الاحتلال  للمقدسات الدينية بما فيها الأقصى وكنيسة القيامة.

 وفي هذا العرض، حاولت المخرجة تصوير حالة القدس من خلال امرأة  مقعدة مأسورة مشوهة تكاد لا تقوى على الحراك، وذلك بفعل المؤامرات التي تحاك ضدها. كما تبقى  هذه  العجوز وحيدة نتيجة هجران أبنائها لها منذ زمن!.. مما يوحي بأن هناك هجرة مستمرة لشعب الفلسطيني، فمنهم من أجبر قسرا ومنهم من باع نفسه للعدو!

اختزل  العرض اللغة الحوارية، فجاء أقرب إلى " الاوبريت الغنائي"  الذي يصور ملحمة احتلال القدس التي ضاعت بين الاتفاقيات والقمم والمؤتمرات والصراعات الداخلية التي كانت في صالح المحتل، حيث  تدهورت  الأوضاع الداخلية،  وجعلت  الشعب مجرد لعبة، يتم تحريكها حسب إرادة الآخر، وهناك بعض الكلمات التي تختزل مضامين العمل، مثل:  ( الاغتصاب- الأرض -  المرأة-  امتداد الاحتلال  من النيل إلى الفرات ).

قامت المسرحية على المزج بين  الفنون الاستعراضية والفولكلور والأوبرا والرقص المعاصر ، وغيرها من مفردات " العناصر المشهدية" التي سادت في الفضاء المسرحي. كما استغلت مخرجة العرض الطاقات التمثيلية والغنائية، كما هو الحال عند توظيف صوت الفنان (رامي شفيق) والفنانة الاوبرالية (نادين الشهوان).  إلى جانب  إعادة  إحدى أغاني " شعبان عبد الرحيم"  بغية  توصيف حال الأمة العربية تجاه القضية الفلسطينية.

كما استطاع العرض من خلال لوحاته التسع، أن  يقفز عبر فترات زمنية للاحتلال الصهيوني، مما جعله يقترب من  "المسرح البرختي" من خلال تقديم  ومضات سياسية سريعة عبر لوحات مشحونة بالوجع الإنساني القومي، والذي جعلنا ندرك في النهاية أن القدس ستظل محتلة، ما لم يكن هناك "موقف عربي موحد" يسعى لتحريرها، وليس الاكتفاء بالتغني بالخطب الرنانة عبر المنابر الرسمية  ووسائل الإعلام الموجهة.

كما ركزت مخرجة العرض على توظيف التقنيات المسرحية الحديثة، بغية إضفاء فرجة مسرحية تقوم على التجريب. وذلك من خلال استغلال جميع عناصر "السينوغرافيا"  في رسم الحدث الدرامي، إذ أسهمت "الموسيقى" التي هي من تأليف "وليد الهشيم"  في تكثيف  البعد الملحمي لأبعاد الحدث الدرامي وانتقاله من مرحلة إلى أخرى . في حين سعت  " الإضاءة"  إلى  تصوير " الرؤية البصرية للعرض الاستعراضي" ، واستطاعت أن تجعلنا نتابع أحداثه  بشغف لا يقل عن الحوارات الاعتيادية،  خاصة عند تجسيد الأبعاد الثورية والمواقف الإنسانية الأكثر تأثيرا على المشاهد.

   كما جسدت " الأزياء"  نمطية أبطال العرض وانقسامها إلى شخصيات عربية وأخرى غربية، وخاصة في المشهد الذي ظهرت الشخصيات المضادة فيه، وهم  يؤدون الطقوس الدينية وقد ارتدوا المعاطف . كما راعت المخرجة الانتقال الزمني للحدث وألبست الشخصيات  ما يتوافق مع كل مرحلة زمنية. وساهمت " الكوريغرافيا العامة" للعرض  التي نفذتها  (دينا أبو حمدان)  في إبراز  جمالية مكونات الفضاء المسرحي من خلال التشكيلات الجماعية. في حين جاء "الديكور العام "  للعرض تجريدي، يقترب من الرمز أكثر من الواقع، وهو قابل للتشكل والتلون حسب المواقف الدرامية، شأنه في ذلك  شأن " أجساد الممثلين"  التي اتسمت بخفة الحركة على الركح. علما بأن هذا العرض من بطولة عدد من الفنانين الأردنيين، هم:  رامي شفيق ونادين شهوان وريما نصر وبلال الرنتيسي وموسى السطري ومحمد عوض ونبيل سمور واحمد الصمادي وعطية المحاميد.

  والذين ساهموا جميعا في تشكيل فضاءات الخشبة بمصاحبة قطع الديكور، التي في مجملها عبارة " أشكال حديدية متحركة"، حيث استطاع منفذ الديكور أن يحولها إلى بوابات القدس والى سجون وأقفاص و إلى طاحونة والى جبال وغيرها من الدلالات التي جعلتنا نستمتع بكل مفردة على المنصة!

  ونستطيع القول إن "اللغة الجمالية"  للعرض طغت على الكلمة، وبذلك يقترب هذا العرض من العروض الحديثة، بعد تحوله إلى ورشة عمل تركز على الممثل والسينوغرافيا، بالرغم من أن العرض لم يغفل أهمية الكلمة، حيث اختزل النص وبقيت الحوارات المهمة التي  ترصد الأحداث  المحورية  المكثفة فيه.





Monday, June 20, 2011

عرض مسرحية (أنا وزوجتي وأوباما)

     في جو  لا يخلو  من الكوميديا والاستعراض الأقرب إلى العروض الجماهيرية، قدم مسرح دبي عرض مسرحية (أنا وزوجتي وأوباما) من  تأليف الإعلامي الفنان مرعي الحليان وإخراج أحمد الأنصاري.  ويعتبر هذا النوع من العروض السائدة في المناسبات والمهرجانات التجارية والسياحية، التي  عادة تكون مفتوحة لأكبر عدد من النظارة.

وعلى الرغم من شعبية العروض التجارية، التي تحظى بإقبال جماهيري واسع، إلا أن النقاد والمنظرين المسرحيين، ينظرون بقلق إلى هذه النوعية من العروض ، نتيجة تركيزها على الترفية والتسلية بالدرجة الأولى، حيث أنها غالبًا ما تعتمد على الاستعراض والغناء ويبرز النجم أو بطل العرض ، في حين يضعف الحدث فيها.

وفي هذا العرض وفق المؤلف في تقديم موضوع غاية في الأهمية، وهو موضوع العولمة الثقافية أو ما يطلق عليه البعض الغزو الثقافي- إذا صح التعبير-  وتبيان أثره السلبي على الأسرة، بفعل الزحف المدني على المجتمعات الخليجية، بعد الثورة النفطية والرفاهية التي رافقت الناس. وذلك من خلال تسليط الضوء على  فكرة التفكك الأسري في الأسرة  الناتج عن  انشغال الوالدين...مما جعل واقع الأبناء مشتتا، نتيجة الاحتكاك بثقافة الآخر القادمة إليه من منافذ متعددة مثل التعليم - وفق معطيات الثقافة الغربية- وتأثير تقنيات الاتصال الأخرى مثل الهاتف والانترنت. إلى جانب تأثر الأبناء  بالخادمة والسائق .. جميع ذلك ساهم  في ضياع ثقافة الأبناء وذوبان هويتهم، لأنهم أصبحوا مجرد أصداء لثقافة  الآخر، التي لا تتعدى الأخذ بالقشور من خلال التركيز على الشكليات، في حين ضاع الجوهر الذي يتمثل في القيم الأصيلة النابعة من المجتمع نفسه.



وهكذا يتضح أن هذا  العرض موضوعه اجتماعي يتحدث عن المتغيرات الثقافية والاجتماعية على واقعنا الخليجي، إلا أن المؤلف أصر على أن يحلق به بعيدا، متخذًا من تأثير الثقافة الغربية على الأبناء ثغرة، لتوضيح  فكرة  تأثير الثقافة الأمريكية على سلوكيات الأسرة الخليجية .
كما تمادى الحليان في استغلال تلك الثغرة ، عندما  استدعى " اوباما" عبر  مكالمة هاتفية لتفسير وحل ما يدور في أسرته، ولكن يبدو أن خياله كان جامحًا، عندما انفصل عن موضوع العرض- الذي يتحدث عن بهتان العلاقات الأسرية في الحياة الاجتماعية المعاصرة- ليسأل  "اوباما" عن رأيه في  القضايا الشرق الأوسطية...وهذا بدوره أثقل كاهل هذا العمل الاجتماعي وحمله أكثر من طاقته، نظرا لكونه ذا طابع كوميدي خفيف، لذا فإنه  من الصعوبة بمكان، أن يتضمن القضايا السياسية التي تتحدث عن السلام في الشرق الأوسط...

إلا أنه يجب الاعتراف،  أن  طلب رب الأسرة من "اوباما" التدخل في شؤون أسرته، أضفى عليه نوع من الكوميديا، وجعل المشاهد يعيش دوامة من المواقف الكوميدية الساخرة، التي تتقارب مع  الواقع العربي الراهن، الذي  يشهد موجة من التدخلات  الغربية في تحديد مصيره ، في ضوء الأحداث والمتغيرات السياسية على مستوى المنطقة  العربية .


تميز هذا العمل بأنه عرضًا جماهيريًّا قائم على صناعة النجوم، من أجل تحقيق أعلى عائدات  شباك تذاكر، وقد لاقى إقبالا من الجمهور الذي كان يصفق له طيلة ساعة ونصف ...شارك في هذا العرض مجموعة من النجوم الإماراتيين أمثال: أشجان وجمال السميطي وسالم العيان وماجد الصوري  وناجي جمعة ونيفين ماضي  ونصرة المعمري وصوفيا .